خطبة الجمعة للعلامة السيد علي فضل الله

ألقى سماحة  العلامة  السيّد علي فضل الله، خطبتي صلاة الجمعة، من على منبر مسجد الإمامين الحسنين(ع) في حارة حريك، بحضور عددٍ من الشخصيّات العلمائيّة والسياسيّة والاجتماعيّة، وحشدٍ من المؤمنين ومما جاء في خطبته السياسية:

عباد الله أوصيكم وأوصي نفسي بوصية الإمام الجواد(ع)، عندما دعا إلى ثلاث يبلغ بهن بالعبد رضوان الله تعالى.

أما الأولى فهي: “كثرة الاستغفار (وهو الباب الذي منحه الله لعباده لمحو الذنوب صغيرها وكبيرها ولزيادة الرزق ودفع البلاء، وهو أفضل دعاء وخير عبادة، فقد ورد في الحديث: “خير الدعاء الاستغفار”، ونحن في هذا الشهر مدعوون إلى الاستغفار، فقد ورد في الحديث: “رجب شهر الاستغفار لأمتي، فاكثروا فيه الاستغفار فانه غفور رحيم، ويسمى الرجب الأصب لأن الرحمة على أمتي تُصب صباً فيه، فاستكثروا من قول (استغفر الله وأسأله التوبة)”.

والثانية: “خفض الجناح”، بمساعدة الناس والحنو عليهم واللين في مخاطبتهم، وهو الذي دعا الله عز وجل إليه، عندما قال: {وَاخْفِضْ جَنَاحَكَ لِلْمُؤْمِنِينَ}…

أما الثالثة: “كثرة الصدقة”، التي هي باب لدفع البلاء ورد القضاء.

إننا أحوج ما نكون إلى هذه الوصايا التي تعيننا في هذه الدنيا على تجاوز الصعوبات وتعيننا من أهوال يوم القيامة ونكون أكثر وعياً وقدرة على مواجهة التحديات.

والبداية من التوافق الذي حصل بين القوى السياسية الممثلة في المجلس النيابي، والذي أفضى إلى انتخاب رئيس للجمهورية، وإن كنا نتفهم التحفظات التي صدرت من العديد من النواب مما يتصل بتطبيق الدستور، وهذا الاتفاق الذي انتظره اللبنانيون طويلاً وكادوا ييأسون من تحقيقه نظراً إلى الانقسام الحاصل داخل المجلس النيابي بين القوى السياسية على اسم الرئيس وحتى على البرنامج الذي سوف يلتزمه في خلال ولايته، آملين أن يفتح الانتخاب الأبواب أمام إنجاز الاستحقاقات الباقية إن على صعيد انتظام عمل مؤسسات الدولة وملء الشغور، أو لمواجهة التحديات التي تعصف بالبلد على الصعيد الاقتصادي والمعيشي أو في مواجهة الفساد المستشري الذي أوصل البلد إلى هذا المنحدر، أو بالعدوان المستمر على لبنان من خلال العدو الصهيوني الذي لا يكف عن خروقاته للساحة اللبنانية إن على صعيد الجو أو البر، والتهديدات التي تصدر عن قادته بأنه قد لا ينسحب من الأراضي اللبنانية التي احتلها أو مواقع منها أو في كيفية التعامل مع ما يجري من تطورات في سوريا والمنطقة والذي لن يكون هذا البلد بمنأى عن تأثيراتها.

ولقد تم ذلك بعدما أصبح واضحاً أن التوافق هو وحده السبيل لتأمين الاستحقاقات ومواجهة التحديات الصعبة التي تنتظر الرئيس اوكل من يتحملون المسؤولية معه، وأنه لا يمكن في هذا البلد إتباع سياسة الاستئثار لطائفة أو مذهب أو موقع سياسي أو التهميش لهم، فالتوافق هو الذي يبنى عليه هذا الوطن وهو أساس استمراره.

ونحن أمام هذ الإنجاز، نقدر كل الجهود التي بذلت من أجل الوصول إلى هذا التوافق ومن سهلوا الوصول إليه والتي ما كان ليحصل بدونها، وإن كنا نريد أن يأتي بناء على إرادة اللبنانيين، لا بناء على إرادة إقليمية ودولية، جاءت بعد عجز القوى السياسية الممثلة في المجلس النيابي عن التشاور معاً والجلوس على طاولة واحدة للتفاهم وتأمين التوافق المطلوب وبلوغه.

إننا نجدد القول؛ إن القوى السياسية كانت قادرة على تأمين هذا الاستحقاق في وقته وقبل عامين ونيف، ومن دون أن نهدر كل هذا الوقت وبإرادة هذه القوى لو أنها قررت منذ البداية أن تخرج من حساباتها ومصالحها الفئوية ورهاناتها الخارجية وأن يصغي بعضها إلى بعضها الآخر.

إننا أمام هذا الاستحقاق، نأمل أن يكون الرئيس الجديد الذي انتظره اللبنانيون على قدر الآمال التي كنا نتطلع وندعو إليها، وهي تعزيز الوحدة بين اللبنانيين وبناء ركائز دولة المؤسسات، دولة نريدها خالية من الفساد والاستئثار والمحاصصات والاستزلام، دولة قادرة على إخراج هذا البلد من مآزقه والأزمات التي يعاني منها إنسانه، سواء أكان على الصعيد المعيشي والحياتي والاقتصادي والأمني، دولة تملك جيشاً قوياً قادراً على حماية هذ البلد من كل الذي يريدون العبث بأمنه وسيادته واستقراره، ولا سيما العدو الصهيوني الذي سيبقى يتربص به ويتهدد كيانه والذي لا يزال جاثماً على الأرض التي احتلها أو في مواقع منها كما يخطط، دولة تتولى مسؤولية المباشرة في ملف الإعمار وقيام البلد وبلسمة جراحات شعبه وتعيد إلى المودعين أموالهم كاملة، دولة التوازن الوطني والطائفي والسياسي والتي تستوعب في أحضانها كل فئات الشعب، والتي تنفتح على العالم العربي والإسلامي وعلى العالم وبما يتوافق مع مصالح هذا البلد وسيادته وأمنه واستقراره.

وفي سياق إظهار مخاطر العدو الصهيوني، على لبنان ودول المنطقة، فإننا نشير إلى خطورة ما نشره موقع تابع لوزارة الخارجية الإسرائيلية من خريطة لدولة الكيان الصهيوني تضم الضفة الغربية وأراضٍ من الأردن ولبنان وسوريا، والتي تعبر في شكل فعلي عن تصوراته لمستقبل الدولة العبرية، وهو ما لا يخفيه العديد من قادة العدو في تصريحاتهم ومواقفهم، إضافة لما تظهره تحركات قوات العدو سواء في الضفة الغربية وغزة أو في لبنان أو سوريا، ما يشير إلى أن العدو جاد بتنفيذ ما يعلن عنه، وهو ما يدعونا في لبنان إلى التنبه والحذر والسهر والقيام بكل ما من شأنه جعل لبنان يمتلك المناعة والقوة اللازمة لمواجهة أي أطماع صهيونية في الحاضر أو المستقبل، وهو أيضاً يتطلب من الدول العربية والإسلامية أن تكون على وعي عميق بالأهداف الصهيونية، ما يتطلب الدعوة إلى عمل عربي وإسلامي مشترك لمواجهة هذا المشروع ومنع تحقيقه.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *